التاريخ المنقح لحرب الجزائر

موريس ت. ماشينو

Maurice T. MASCHINO

في أيلول/سبتمبر من العام 1957، وفي تقرير دامغ، خلصت لجنة حماية الحقوق والحريات الفردية التي شكلتها الحكومة الفرنسية من شخصيات مختلفة تحت ضغط المعارضة اليسارية، إلى أن التعذيب بات أمراً شائعاً في الجزائر.

وفي كانون الأول/ديسمبر عام 2001، وإزاء ما أثارته من انفعال الشهادات الجديدة التي نشرتها جريدة "لوموند" حول التعذيب، اعتبر رئيس الوزراء أن الأمر يتعلّق "بانحرافات اقلية". وفي هذا مغالطة أولى. ثم أضاف بكل جدية انه لا يعارض أن يكشف المؤرخون هذه "الانحرافات"، وهي المغالطة الثانية . ثم، وخلافا لما تعهد به في 27 تموز/يوليو 1997، لا يزال الإطلاع على الوثائق الأكثر دقة أمرا" مستحيلا" باستثناء بعض الخروقات التي تنجح بشقّ النفس .

منذ أربعين سنة، من العام 1957 إلى العام 2001، من غي موليه إلى السيّد ليونيل جوسبان وفرنسا الرسمية تعيش ثقافة الدجل. تتظاهر بأنها تريد أن تتحقق وتعوق حرية التحقق. تعترف نصف اعتراف (مما قاله جوسبان " كان من الصعب على فرنسا أن تنظر بشفافية في تاريخها ")، ثم تنكمش على نفسها. هي لا ترغب في أن تعرف شيئا، أو أنّها راغبة، إنما بأقل قدر ممكن. وهي تدير أذنا صمّاء، حين يعترف أحد الجنرالات في نشرة أخبار الساعة الثامنة أنه قد صفى بنفسه، وبكل دم بارد، أربعة وعشرين أسيرا جزائريا، خارقا كل قوانين الحرب.

كل ذلك من دون أدنى شعور بالندم. و لشد ما يترسّخ اقتناع مشترك إلى حد بعيد بين المواطنين، ومن ضمنهم المؤرخون والمعلمون، بأن فرنسا قد قدمت الكثير إلى الشعوب التي أخضعتها، مثل الطرق والمستشفيات والمدارس كما هو معروف، رغم بعض " الشوائب" "المؤسفة" التي لم يكن هناك مفرّ منها .

ويؤكد ب. د. المعلم في الصفوف الاعدادية في احدى الثانويتين الباريسيتين اللتين تضمان حشدا من نخب المستقبل: "نعم، لقد كان للاستعمار جانبه الايجابي، فنحن في أي حال قد خلفنا وراءنا للجزائر بنى تحتية حديثة ونظاما تربويا ومكتبات ومراكز اجتماعية… يقال انه في العام 1962 لم يكن هناك من الطلاب سوى 10 في المئة من الجزائريين، وهو عدد قليل لكنه ليس بالأمر السيىء!".

سواء بضمير حيّ  لدى البعض أم بنية سيئة لدى البعض الآخر، ففي هذه الأجواء من الرضا الذاتي والنفي الدائم والتستر المستمر على الحقيقة الرهيبة (حين لا ينظر فيها من خلال الوان العلم الفرنسي الثلاثية) يندرج تعليم التاريخ في المدارس. ففي رعاية السلطة السياسية، ومن دون استثناء أي فريق ، تقصّد هذا التعليم ابقاء المواطنين في حالة من الجهل مدعيا في الوقت نفسه انه يعمل على اعلامهم، فبدا عاجزا عن تلقين الشباب حقائق النظام الاستعماري وما يمثله من نفي مطلق للانسان كما للقيم التي نادت بها الجمهورية، ولا حتى انه يسمح بافهامهم ما ظلت السلطات الرسمية حتى 10 آب/اغسطس من العام 1999 ترفض أن تسميه حربا.

فالتعليمات الوزارية والبرامج وتوزيع الدروس والكتب وكل الترسانة التربوية قد وظفت كي لا يعرف الطلاب في المدارس والمعاهد والثانويات الا القليل عن كل ذلك.

ويبدأ كل شيء من المدرسة الاعدادية حيث على المعلم، وفي خمس سنوات أن يمر بسرعة على ألفي سنة من التاريخ، ويقول أحد المعلمين: "الاستعمار؟ نعم أتحدث عنه، إنما بسرعة، غير أن صور الكتاب تكمل الدروس". أو انها تناقضه (إذا اقتضى الأمر) حيث ان جميع الصور تقريبا تعطي فكرة إيجابية عن الاحتلال الفرنسي ، ففي مشاهد من جزائر العام 1860 يبدو أولاد من "السكان المحليين" يرهفون السمع الى المعلم، أو بعض المستوطنين وهم يستصلحون الأراضي (هاشيت)(1)

على الارجح أن المعلم يستطيع القيام بعملية نقدية الا انه في الغالب لا يريد ان "يصدم النفوس الفتية " وكما يعترف محدثنا " لايجري التركيز كثيرا" على الجانب السيىء من الاستعمار". وما من ريب في ان تلك الجوانب سرعان ما يتم تجاهلها، كما أنه لا تبرز أي صورة يمكن أن تعطي ادنى فكرة عن الحرائق التي امر بها الماريشال بوجو أو عن الضرب بالهراوة او عن الاطفال بأسمالهم وعن الاكواخ البائسة .

يضرب صفحا عن التاريخ من اجل العملية الدعائية في أضخم أشكالها وفي أسفل ما يكون ذلك. انها تمجد التاريخ بقدر ما تتغافل عن بعض جوانبه، فلا شيء يقال لطلاب الصف الرابع، حين يدرسون "تقسيم العالم"، عن عمليات النهب والابتزاز في مختلف أنواعها التي نجمت عن هذا الاقتسام ، بل بالعكس أن كل شيء يحملهم على الإعجاب بـ"المغامرة الثقافية" الرائعة التي تمثلت للأوروبيين عبر اكتشافهم عالم القرن التاسع عشر. وتشدد التعليمات الرسمية الصادرة عام 1995 على "ضرورة التنبه الى المظاهر الثقافية في تلك العملية مثل تطور الجمعيات الجغرافية والدراسات الاتنية…"(2) أي ما في فكرة "المتوحش الطيب" من فوائد

ولأن الطلاب قد اخضعوا لهذه الشروط عبر سنوات دراستهم في المدارس الابتدائية، فانهم في المرحلة الثانوية يبدون مستعدين ومن دون ادنى روح نقدية (إذ أعدمت فيهم كليا) لتقبل الرواية المجتزأة والمنقحة والمعروضة في شكل إجمالي نظيف حول حرب الجزائر .

هذا إذا اختار المعلم طبعا أن يتخذها موضوعا للدرس لان حرب الجزائر ليست واردة صراحة في برنامج الصف الثالث، أو حتى في هذا القسم من البرنامج الذي يسمح بمعالجتها والذي قلص بدوره الى الحد الملائم وهو بعنوان " من الحرب الباردة الى عالم اليوم (العلاقات بين الشرق والغرب، التحرر من الاستعمار وتفكك العالم الشيوعي)".

ويخلص أو. د. وهو أستاذ مجاز الى أن "البرامج الحالية اكثر اختصارا واختزالا، فبدلا من أن يخصص لموضوع التحرر من الاستعمار فصل مستقل فانه لم يُعط سوى فقرة واحدة في دراسة العلاقات الدولية منذ العام 1945 الى يومنا هذا وبمعنى آخر لا شيء تقريبا. فما هو الوقت الممكن تخصيصه لدراسة حرب الجزائر في حين يطلب شرح مؤتمر باندونغ وتحرر الهند وإندونيسيا والهند الصينية ؟ ساعة واحدة، على الأكثر ثم ان الكتب مختصرة جدا، فالحديثة منها والمطابقة لبرامج العام 1989 تعطي عمليات التحرر من الاستعمار حيزا اقل مما تعطيه للاستعمار وللحرب العالمية الثانية" .

على الطاولة في احدى غرف المعلمين نماذج من كتب مدرسية نقرأ فيها: "في الجزائر، القمع والحرب ردا على حرب العصابات التي تقودها جبهة التحرير الوطنية" (منشورات بريال للصف الثالث). لكن لماذا حرب العصابات؟ فان عرض تسلسل الأحداث في قسم "الوثائق" لا يلمح الى شيء ولا المقتطفات من خطاب للجنرال بيجار. والافضل نجده في منشورات مانيار حيث في قسم "الدروس" تصفى حرب الجزائر في خمسة اسطر وتنشر بصفة "وثائق " خمس صور لا تعني شيئا ( مثلا" مركز اقتراع في الجزائر عام 1962).

انه التقشف الجوسبيني يفرض نفسه من المدارس الاعدادية الى المعاهد الى الثانويات ونظام التقشف يطبق بصرامة على الجميع .

وما يقدم الى طلاب "الصفوف النهائية " ليس بأفضل، وهم في معظمهم غير مستعدين لسماع أي طرح ذي معنى إذا صادف أن ألقاه عليهم أحد المعلمين، فالقصف الإيديولوجي الذي خضعوا له في السنوات السابقة غالبا ما يجعلهم يهملون أي خطاب معاكس. ويلاحظ ج. أر. الأستاذ المجاز في احدى الثانويات الريفية "أن الطلاب الذين فجعت عائلاتهم هم فقط الذين يطرحون الأسئلة، أما الآخرون فانهم يكتفون بتدوين الملاحظات بكل تهذيب كما كنت افعل في الصف عندما كانوا يحدثوننا عن حرب 1914".

ولأن مخيلتهم قد أشبعت بالصور التي تمجد "الرسالة الحضارية " للحواضر الاستعمارية حتى وان لم تسمّها، ولأنهم يجهلون تقريبا كل الانتفاعات (المادية منها والرمزية) التي حققها الفرنسيون المقيمون في فرنسا والمستوطنون من خلال استغلالهم الشعب الجزائري، ولأنه لم تتح لهم فرصة تحليل النظام الاستعماري في تجلياته "الملموسة" التي عاناها الذين خضعوا للاستعمار (مثل العنصرية التي لم يأت على ذكرها أي كتاب باستثناء بريال في الصفوف النهائية، والمظالم في مختلف أشكالها والفوارق الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية) فان الطلاب غير مؤهلين حتى لفهم الأسباب التي ثار من اجلها "المسلمون"، الا اللهم "تعصبهم"، ونكرانهم الجميل"، ولا لماذا عارضت فرنسا "تحررهم" بهذا العنف، كما ترويه الكتب المدرسية بكل خجل.

ويقول المؤرخ بنجامين ستورا: "بما انه لا يجري عرض ظروف الجزائريين "كسكان محليين" ولا وضعهم كمواطنين من الدرجة الثانية، ولأنه لا يبرز أي من الشخصيات المهمة في المقاومة، مثل مصالي الحاج وفرحات عباس، ولا يشار إليها، باختصار لأنه لا يشرح للطلاب ما كان يعني الاستعمار، بكل ذلك يصبحون عاجزين عن فهم الدوافع التي أدت الى نهاية هذا الاستعمار".

ويقر جان بيار ريو، أحد منسقي مادة التاريخ: "صحيح أن موضوع التحرر يرد من دون تحضير، لكن لا شيء يمنع المعلم من سد النواقص". والواقع أن لا شيء يجبره على ذلك بل بالعكس ان كل شيء يشجعه على عدم التوقف عند مسألة "ثانوية"، وقبل كل شيء الطريقة ذاتها شبه السرية التي أدخلت بها حرب الجزائر في البرنامج.

وكما في الصف الثالث وبمنطق التضليل نفسه او الاطلاع المقنن السائد في مجمل برامج التاريخ، فانه لا يخصص في الصفوف النهائية  فصل خاص لموضوع حرب الجزائر.

 

وحتى أنها لا تذكر بشكلها المعروف في أي من أقسام البرنامج الذي يتناول العالم من العام 1939 حتى يومنا هذا. ويستنتج المؤرخ جيل مانسيرون أنها "ترمى في الزوايا". أي انها تبقى مهمّشة  وإذا صدف أن درست ففي عرض موجز حول تحرر الشعوب المستعمرة. (ويؤكد الأستاذ المجاز أل. ب. أن بعض الزملاء يمرون عليها مرور الكرام ويفضلون التركيز على الهند أو إندونيسيا")، كما أنه يمكن التطرق إليها في نهاية موضوع الجمهورية الرابعة على أنها قضية فرنسية (فاشلة) ومن زاوية السياسة الفرنسية الداخلية قبل كل شيء، ويؤكد المنسق العام ريو " أن المهمة تقوم على تقديم صورة الى الطلاب وفق وجهة النظر الفرنسية".

فليس من الغريب إذاً أن الكثيرين من المعلمين لا يتوقفون عندها كثيرا، وذلك ليس (أو ليس فقط) بسبب ضيق الوقت أو كثافة البرامج، بل بنوع خاص لأن استعراض تلك المرحلة لا يثير الارتياح كما أن إثارة موضوع الفظائع الفرنسية المرتكبة وتقاعس مختلف الحكومات ورياءها وتآمر الأحزاب من اليمين ومن اليسار تزعج اكثر من طرف، فالمنسق ريو الذي لا يبدو انه يريد حاليا التوقف عندها طويلا" يوافق على ان "حرب الجزائر ليست خاضعة لمبدأ الاستقامة السياسية التي نتجت من الرغبة الكلية بعدم تكرار كل ذلك بعد محرقة اوشفيتز".

وهو يتابع: "وفق أي مبدأ يجب التوقف بترو عند حرب الجزائر؟ ولماذا لا يتم التوقف على حرب فيتنام أو حرب كوسوفو؟ فلا فائدة من ذلك نوعا ما خصوصا أنه يأتي على حساب بعض الجوانب الأكثر استحسانا أو الأكثر إيجابية في هذا العصر. فنحن لا نثير كفاية اهتمام الطلاب بتطور وسائل الإعلام أو بالتطور العلمي والتقني ولست متأكدا أننا نعد الطلاب لفهم ثورات العصر من نوع الإنترنت مثلا، ثم أن هناك استحقاقات حضارية أخرى: أوروبا مثلا، وهذا لا يقل أهمية عن عرض مطول حول خاتمة حرب الجزائر.

القضية إذاً مفروغ منها ومنتهية ، ولأن الطلاب بحسب الناظر العام جان لوي نمبريني، يجب ألا يكونوا "رهائن واجب الذاكرة " فليس المطلوب أن نرهقهم بالذكريات "المؤلمة"، والأفضل (من هذه الزاوية) الاكتفاء ببعض المعايير، الهزيلة في أي حال، التي تقدمها الكتب المدرسية.

ولأن هذه الكتب لا بد أن تتأثر قليلا فإنها تأتي على ذكر الحرب، لكنها، وكأن شجاعتها تخونها، لا تتوسع فيها كثيرا، فأي حرب هي المقصودة ؟ أهي حرب تحرير؟ لا يمكن التفكير في ذلك من وجهة النظر الفرنسية الوحيدة المأخوذ بها. أم هي حرب احتلال استعمارية؟ نعم بالتأكيد لكن العبارة مزعجة فاضحة. فكل الكتب تلتزم عرضا ضبابيا حذرا، باستثناء كتاب بريال الوحيد الذي لا تخيفه الكلمات والمتميز بأمانته اللافتة، كما حين يعنون الفصل المتعلق بحرب الجزائر على الشكل الآتي: "حول حق الشعوب في الحكم المستقل".

والغموض نفسه يلف الحديث عن المتقاتلين، فاذا كانت الحرب مجهولة فلا بد أن يكون أطراف النزاع أيضا مجهولين. ولابد أن تسقط الكلمات التي تستخدم بشكل طبيعي لدى الحديث عن الحرب العالمية الثانية (الألمان والمخابرات السرية، المحتل/الفرنسيون، المقاومة) والأمر يثير حفيظة احدى المعلمات المجازات "أتقول المحتل؟ لا شك أنك فقدت صوابك، المحتل هو كلاوس باربي في ليون"  أما الجنرال ماسو في الجزائر فلا! ثم تسأل وهي تكاد تختنق :" لا اصدق ! انك تبالغ ! فلماذا تريد أن تخلط بين الاستعمار والأمور الأخرى؟".

لكن عندما تشبه الكتب ضمنا حرب الجزائر بالحرب الصليبية فهذا لا يخرجها أبدا عن طورها: "أنا اقر أن الكلمات التي تتكرر دائما مثل كلمتي: الأوروبيون أو المسلمون ليست دقيقة جدا لكنها الاسهل استعمالا وهي في الواقع أسهل استعمالا من أجل خلط الأوراق وتجريم العدو إذ كيف يمكن التشبه بالمسلمين، في حين أننا في الصفوف الابتدائية اتخذنا جانب شارل مارتل؟

اما العبارات المستعملة في الكتب فهي تفتقر إلى الدقة والأمانة ويشوبها الالتباس على الدوام إذ لا تميز بين الأنواع ( السياسي من النفسي مثلا)، فأحدها يتحدث عن "الانفصال الأليم" (هاشيت)، لكن بالنسبة لمن هو "أليم"؟ وآخر عن "تمزق المستعمرات "وثالث عن الاستقلال "المنتزع" بين مزدوجين فيما الرابع يبدو اكثر جرأة فلا يضع المزدوجين. فالكتب كلها تقريبا تجد صعوبات كبرى في أن تذكر صراحة هذه الحرب وأهدافها والأطراف المتنازعين فيها، فاذا من يواجه الأوروبيين فيها والمستوطنين والمظليين هم المسلمون والثوار والإرهابيون وليس أبدا المقاومون والمناضلون والوطنيون.

وما يسيء إلى الكتب أيضا هو رواية الوقائع، ومعظمها يكتفي بالحد الأدنى وقلة منها تأتي على ذكر مجازر سطيف في العام 1945، وأقل على ذكر مذبحة فيليب فيل في آب/أغسطس من العام   1955، أما عن المرحلة الواقعة بين الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1945 ("عيد جميع القديسين الدامي" و" الثورة المسلحة"، "موجة الاغتيالات") ومعاهدة أيفيان، فهي تروي بالطريقة الأكثر تمويها وتبسيطا المحطات الكبرى من الحرب مثل معركة الجزائر/ العاصمة وسقوط الجمهورية الرابعة ووصول ديغول الى السلطة وانقلاب الجنرالات وعودة فرنسيي الجزائر...

كل الكتب تقريبا تأتي على ذكر التعذيب لكنها تقلل من شأنه، فنقرأ مثلا "إن بعض العسكريين عمد الى التعذيب " (هاتييه)، وأن "المجازر ضد الأوروبيين قد استدعت عمليات قمع قاسية" وحتى "عمليات تعذيب على يد الجيش" (بيلان). وهذا أمر مؤسف إنما كان الجيش "مجبرا" على ذلك (هاشيت)، ولأن الأمر كان يتطلب "انتزاع المعلومات" (أيستروناثان) و"تفكيك شبكات جبهة التحرير الوطنية" (هاتيه) ومنع عمليات الاغتيال ( وهي تذكر دائما في الجملة التي تتحدث عن التعذيب) فان الغاية في نهاية المطاف تبرر الوسيلة.

لا ترد الأمور بهذا الوضوح ولكن يوحى بها، فبدلا من أن تحمل الكتب الطلاب على التأمل في فضيحة جمهورية داست قيمها بأقدامها، فأنها تتغافل عن ذلك وتقوم تقريبا بعملية تبرئة عندما تتلكأ في تبرير أو تشريع ما تقدمه كلها على انه شر لا بد منه إنما كان ذا فعالية فنقرأ مثلا "ان المظليين قد فككوا بواسطة التعذيب شبكات جبهة التحرير الوطنية" (مانيار)، فاذا هم مغفورة لهم خطاياهم ويتحولون من جلادين الى طرزانات طيبي القلوب.

وإذ يسقط في أيديهم فان البعض الآخر يستعمل التورية كي لا يقول شيئا مثل "لقد تمّ  إرهاق جبهة التحرير الوطنية (في الحديث عن "معركة الجزائر"). وفي دار "هاشيت" يوضح أحد مسؤولي النشر انه "من الضروري الأخذ في الاعتبار مجموعات الضغط واللوبي التابعة للجيش الفرنسي مثلا وهي قوية جدا"،  وهو يقبل ان "يأخذ على عاتقه" العبارة المشبوهة: "لقد قررنا ألا نأتي على ذكر عمليات التعذيب وهي موضع جدل. فالكتاب ليس منبرا... ونحن لا نتمنع عن ذكر الوقائع طبعا، لكن الكتاب صدر قبل ثلاث سنوات، أي قبل صدور كتاب اعترافات ماسّو ولم يكن التعذيب قد اقرّ بعد كواقع تاريخي".

فهل يعتبر هذا الكتاب متميزا عن غيره؟ في ما يتعلق بالتعذيب نعم! غير أن معظم الكتب الأخرى تختار الوقائع كما ترتأيها وهي تبقى متكتمة على أسباب هذه الحرب (تفضل الحديث عن معارضة الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي استمرار الوجود الفرنسي في الجزائر اكثر من الحديث عن فظائع الاستعمار)، وتتحفظ كثيرا عن سير العمليات (فلا تذكر عمليات تمشيط المشاة ولا الاعدامات بدون محاكمة ولا قنابل النابالم على الاوراس أو معسكرات الاعتقال) ونادرا ما تعطي الأرقام الصحيحة (ما من كتاب يثبت أن اكثر من مليونين من المجندين قد أرسلوا الى الجزائر) كما أنها لا تروي شيئا يذكر عن المعارضة الفرنسية للاحتلال.

بعضها يذكر استقالة الجنرال دي لابولارديار وينشر في قسم "التوثيق" (مما يجنّب النقاش) "بيان الـ 121" ويلمح الى كتاب "الاستجواب" لهنري اليغ. لكن أيا منها لا يعرض مقتطفات من كتاب "الهارب من الجندية" لموريان  أو  من " فجر الصحراء" لنويل فافروليار، ولا أحد يذكّر برسالة سارتر الاتهامية خلال محاكمة جانسون (وبشكل متفرق تلميحات واهية الى "حملة الحقائب")  كما أن لا أحد يورد الـ 269  حالة من وقف صدور الكتب والصحف في فرنسا (586 في الجزائر) ولا الأفلام التي منعت (3) ولا أحد يحلل هذا التلاعب المستغرب بالرأي العام والذي مارسته على مدى ثماني سنوات، مختلف حكومات الجمهورية، كما لو أن "مؤرخي" الكتب المدرسية لا يعرفون شيئا عن الوعود الكاذبة وعن الدجل والتمنّع. واخيرا لا أحد يلتفت الى انعكاسات الحرب السياسية والإنسانية في فرنسا كما في الجزائر، بدءا بالحركيين المتطوعين ثم فرنسيي الجزائر (الاقدام السوداء) فالمجندين وصدماتهم النفسية، الى مئات الآلاف من الجزائريين الذين دمرت قراهم ونكبت حياتهم. وهل تتحدث عن الحرب؟ لكن أي حرب تقصد؟ إذ يبدو أنها نشبت من دون سبب (طالما لا يذكر لها أسباب) لتنتهي بعد ثمانية أعوام من دون أن تترك أثرا (طالما لا يؤتى على ذكر هذه الآثار). فلا خطر إذاً في أن تدفع الطلاب إلى التفكير طالما هي تستعرض مطهرة معقمة ومفرغة تقريبا من أبعادها .

وبالطبع ليس هذا رأي الناظر العام جان لوي نمبريني الذي يفخر بأن ما يعرضه في الكتب يتحاشى كل طابع مأسوي موضحا "أن المبالغة في التركيز على ما هو عاطفي لا يخدم الموضوعية التاريخية ويجب تالياً تحاشي ما هو براق... ولا يتطلب الأمر التفتيش عن ضحايا من اجل إفهام الطلاب قيم الديموقراطية والجمهورية".

ولكن أي قيم تنقل حين، تحت ستار الموضوعية، يوضع على المستوى نفسه السفاح وضحاياه، الجلاد ومعذبوه، والجنرال دي لابولارديير الذي أوقف في أحد الحصون كونه عارض عمليات التعذيب والجنرالات الانقلابيين الذين أعاد إليهم اعتبارهم فرنسوا ميتران؟ فالناطقون باسم السلطات، تماما مثل اوليائهم، يستخفون بالقيم بدلا من أن يحترموها.

وتحلل هذه الظاهرة الباحثة ساندرين لومار التي واجهت صعوبة كبيرة في إقناع أحد الناشرين باعتماد الفصل الذي أعدته حول حرب الجزائر: "ان الكتب المدرسية تحمل فعلا الرؤية الرسمية للتاريخ، وهي خصوصا نماذج معبرة عما تريد الدولة امراره في مجال الذاكرة ".

ولا شك في أن المعلمين غير مجبرين على تأدية الرسالة كما وردت، فهم أحرار بحسب ما تذكّر به التعليمات الرسمية على الدوام، في أن يصوغوا دروسهم كما يفهمونها وفي أن يوفروا للطلاب جميع وسائل التفكير التي يعتقدونها مفيدة.

وهذا صحيح، إنما ممارسة هذه الحرية تتميز بصعوبتها، وهذا ما تشرحه السيدة ف. قائلة: "أن البرامج موجهة بشكل أن الطلاب بعد أن  يدرسوا في الصف الأول احتلال الجزائر يتطرقون في الصف النهائي الى موضوع التحرر. لكن فحوى البرنامج مفرغ كليا من الحديث عن النظام الاستعماري نفسه وعن حركات المقاومة التي أثارها منذ البداية، وهناك فجوة كبيرة ما بين نشوء النظام الإمبريالي والمعارضة التي واجهته.

وتتابع هذه المؤرخة أن الأكثر إزعاجا ليس في المضمون الإيديولوجي "فنحن قادرون على اتخاذ موقف منه" إنما في " ضرورة تأمين تعليم مصطنع بامتياز من دون تأمين الأطر التحليلية وهنا تكمن نقطة الضعف، إذ يسقط على الطلاب خلاصة مركبة لم يحضر لها بأي عملية تحليلية " أي في معنى آخر خلاصة مغلوطة، أو ملخص لا تسبقه أي دراسة. انه لأمر عبثي ومقصود كيلا يتم الدخول في التفاصيل والسكوت عن كل ما يزعج وتشكيل الخطاب الذي يحظى بأكبر قدر ممكن من الإجماع ويقدم الى الطلاب قراءة مسطحة للأحداث.

وكيف العمل بالنسبة الى المعلم الذي يحترم مهنته ويرفض أن يلعب لعبة السلطة المفخخة؟ هو سيحاول طبعا أن يسد النواقص في أن يركز على دراسة مفصلة لمسألة أو مسألتين من البرنامج عبر إعداد بطاقات إضافية لطلابه أو تكليف بعض المتطوعين تحضير ملف حول الموضوع، وفي النتيجة عليه أن يضحي بمسائل اخرى، وتؤكد السيدة ف. "أن المهمة تبدو صعبة اذ يتطلب الأمر التحايل على عامل الوقت الذي يضغط علينا، ويجب ألاّ ننسى أن هناك امتحانات في نهاية السنة، البريفيه أو البكالوريا، وعلينا أن ننهي البرنامج وإذا ما توقفنا طويلا عند مسألة ما فإننا نجازف بالمرور بسرعة على غيرها، لذلك يبدو الأمر عويصا".

وبين حين وآخر تدعو السيدة ف. وزملاؤها ضيفا محاضرا، إنما خارج أوقات الدوام وشرط أن توافق الإدارة على ذلك، وادارة ثانويتهم ليبيرالية، لكن الحظر قد يأتي على مستوى آخر من  مدير الثانوية أو مسؤول المنطقة التربوية أو الادارة العامة. فعندما كانت ساندرين لومار تشغل منصبها في أكاديمية ريمس منذ سنوات منعها المدير العام من إقامة معرض بعنوان "صور الاستعمار" والبيروقراطي الذي استقبلها ليبلغها قرار المنع رفض وبشكل اعتباطي تماما أن يسلمها رسالة المدير.

السيدة ف. وساندرين لومار وغيرهما من المعلمين من هنا وهناك ليسوا سوى أقلية، ومعظمهم لا يتخذ مبادرات "ارتجالية"، ويلقون دروسهم بدون حماسة زائدة ويكتفون بخطاب حيادي في نظرهم، وتقرّ احدى المجازات: "حول موضوع التعذيب؟ لا يستغرق الأمر معي اكثر من عشر دقائق". وتضيف بشيء من الانزعاج: "هناك الكثير من الإثارة في الموضوع، أما أنا فإنني أتصرف كمؤرخة… وهذا ما لا يسمح طبعا باعتماد خطاب تفصيلي كليا، لكن هذا هو الواقع ..".

وليس المعلمون بهذا الاستخفاف بقدر ما هم غير معدين لبناء خطاب مضاد. فهم مثل الجميع قد تابعوا تحصيلهم في المدارس الرسمية وغالبا ما تنقصهم الإمكانات للخروج عن المعالم المرسومة. وتختلف البرامج من جامعة الى أخرى، ويمكن النجاح في امتحانات الدخول من دون دراسة مفصلة لحرب الجزائر التي في الوقت الحالي نادرا ما "تطرح في الامتحان الشفهي ولا حتى في الامتحان الخطي، ويمكن الحصول على إجازة تعليم من دون معرفة ما يجب تعليمه. ويوضح جيل راغاش الذي يشغل منصب أستاذ محاضر في المؤسسة الجامعية لاعداد المعلمين :" ان ثلثي المرشحين لدخول المؤسسة لم يدرسوا التاريخ منذ صف البكالوريا، ومادة التاريخ مادة اختيارية في امتحان الدخول ...".

لكن هناك ما هو أسوأ، فليس ما يؤكّد أن حصص مادة التاريخ في البرامج الجديدة لن تخفّض، ويخشى البعض أن تسقط بين المواد الاختيارية مثل الفنون التشكيلية أو الموسيقى. ويعلن أحد المسؤولين في المؤسسة الجامعية لاعداد المعلمين: "ان إدخال مادتي اللغات الحية والتكنولوجيا الى المدارس الاعدادية يفترض اقتطاعات مؤسفة من المواد الأخرى ومنها مادة التاريخ التي تبدو مهددة مباشرة".

مع البرامج المخففة (بأفضل ما يكون!) ومعلمين لم يعدّوا بالشكل الملائم وطلاب أكثر وأكثر جهلا غير قادرين في المرحلة الثانوية على استيعاب معلومات هي اكثر تكثيفا وغالبا موجهة، مع كل ذلك يتم التلاعب بذاكرة جيل الشباب، على أيدي المزورين القيمين، من ورثة غي موليه المخلصين. ويخلص أحد المعلمين الى أن "حركة التحرر وحرب الجزائر قد باتت، الى حد ما، مثل نجمة في طور الأفول، نقطة في سماء بعيدة". نقطة لن نشاهدها غدا إذا ظلت الأمور سائرة على هذا المنوال!

1 ـ الكتب المذكورة في هذا المقال تعود إلى صفي البريفيه والبكالوريا وقد نشرت في العامين 1995 و1999.

2. Sandrine Lemaire, “De la bonne manière d’être citoyen: colonisation/ immigration dans les instructions officielles et manuels scolaires”, Passerelles, no.16, printemps 1998.

3. Benjamin Stora, La Gangrène et L’oubli, La Découverte, Paris, 1998

ــــــــــــــــــ

عن العالم الديبلوماسي فبراير 2001

 

Home2000