مفاجأة نهاية العام: مقابر جماعية في الجزائر

فهمي هويدي

كأنما شاءت المقادير ان يتواصل مسلسل المفاجآت والصدمات التي حفل بها عام 2003 الى آخر ايامه. واحدث تلك المفاجآت ما كشف النقاب عنه بالجزائر في مستهل هذا الاسبوع، حين اعلن عن اكتشاف مقابر جماعية ضمت رفات مائتي شخص في منطقة «غليزان»، التي تبعد 300 كيلومتر غرب العاصمة. ولم تكن تلك هي المفاجأة الوحيدة، لأن الاسوأ من ذلك ان اصابع الاتهام في الجريمة اتجهت صوب الميليشيات الحكومية وليس الى الجماعات الاسلامية المتطرفة.

لقد شهدت العاصمة الجزائرية يوم السبت الماضي لقاء مثيرا تم في مقر الرابطة الجزائرية لحقوق الانسان، التي يرأسها المحامي علي يحيى عبد النور، عرض خلاله شريط مصور «فيديو» لمشاهد وبقايا نحو 200 مدني جزائري، تعرضوا للخطف من منازلهم ليلا قبل ان يتعرضوا للتصفية الجسدية، في الفترة ما بين عامي 1994و 1997. وكان الخاطفون هم عناصر الميليشيات المسلحة التي عرفت باسم «فرق الدفاع الذاتي»، التي شكلتها الحكومة في المناطق النائية، وزودتها بالسلاح للعمل بالتنسيق مع فرق الدرك على ملاحقة عناصر الجماعة الاسلامية المسلحة. وجاء الاتهام على لسان مندوب رابطة حقوق الانسان في الولاية، حاج اسماعيل، الذي قال امام حضور المؤتمر ان عملية الاختطاف والقتل يتحمل مسؤوليتها مسؤول فرق الدفاع المدني في منطقة غليزان، مع ستين من مساعديه. وتحدث عن رفات واحد من الضحايا، اسمه سعيدان الحاج عابد، تعرف ابنه على ما تبقى من ابيه، عباءته البيضاء وقداحته التي كان يستعملها.

كان الابن من شهود المؤتمر، وقال للصحافيين ان خمسة مسلحين اقتحموا منزلهم واختطفوا والده تحت تهديد السلاح في عام 1996، وتوجهوا به في سيارة تابعة لبلدية غليزان. ومنذ ذلك الحين اختفى ولم يظهر له اثر، اللهم الا تلك العباءة والقداحة اللتين عثر عليها في احد المقابر الجماعية التي تم اكتشافها.

نفى المحامي عبد النور رئيس رابطة حقوق الانسان فرضية التطاحن الداخلي بين الجماعات الاسلامية المسلحة لتبرير العدد الكبير من القتلى والرفات والعظام التي عثر عليها في المنطقة، مشيرا الى ان اقارب الضحايا تعرفوا على بعض البقايا. وشدد في اللقاء على ان ملف الخطف القسري سيبقى وصمة عار في جبين السلطات الجزائرية، مالم تعلن تلك السلطات عن حقيقة المصير البائس الذي لقيه اكثر من 7 الاف مواطن جزائري أدرجتهم السلطة في عداد المفقودين.

بالنسبة لي لم يكن الامر مفاجئا تماما الا من حيث الدرجة. اذ كنت احد الذين حاولوا لفت الانتباه في وقت مبكر، قبل سبع سنوات تقريبا، الى دور اجهزة الامن الجزائرية في دوامة العنف التي اغرقت البلاد في بحر الدم طيلة العشرين عاما السابقة، وكان لما سمي بالجماعة الاسلامية المسلحة باع فيها. الامر الذي يكشف عن الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها، وهي ان الارهاب ليس مقصورا على الافراد والجماعات الاهلية وحدها، ولكنه ايضا قائم ويمارس ـ واحيانا هو الاصل والمصدر ـ في الجانب المتعلق ببعض الاجهزة الرسمية والانظمة.

حينذاك لم يعجب كلامي البعض ممن لا يريدون ـ ويتمنون ـ ان تظل صفة الارهاب لصيقة بالمنسوبين الى العمل الاسلامي وحدهم، منكرين ان الارهاب جريمة ينبغي ان تدان ايا كان مصدرها. وعلى هذه الصفحات كتب احدهم منددا بما قلت، ومدعيا بأن كلامي يغطي على افعال الارهابيين ويبررها، اذ هم وحدهم المجرمون وغيرهم أبرياء.

خلال السنوات اللاحقة بدأت تتكشف حقيقة وابعاد الدور الذي قامت به الاجهزة الامنية في تأجيج العنف الجزائري، حيث توالي اصدار الكتب في باريس، التي نشرت لبعض ضباط الامن الجزائري السابقين، ممن هربوا من الجحيم، وسجلوا شهاداتهم الدامغة التي لم تدع مجالا للشك في تورط تلك الاجهزة في التصفيات والمذابح التي وقعت بالبلاد. في هذا السياق يجيء اللقاء الذي دعا اليه رئيس الرابطة الجزائرية لحقوق الانسان ويعرض الشريط المصور للمقابر الجماعية المكتشفة في منطقة غليزان، الذي اثبت ان صدام حسين لم يكن منفردا بالمقابر الجماعية، وهي المفاجأة التي صدمت كثيرين، وفتحت ملفات 7 الاف مفقود لا يعرفون مصيرهم، مقترنة بالالحاح على مطالبة السلطة بالكشف عن حقيقة ذلك المصير، والا لاحقتها وصمة «العار» على حد تعبير رئيس رابطة حقوق الانسان.

التوقيت ايضا له اهميته البالغة. ذلك ان ثمة اجماعا على الاثر السلبي الذي احدثته الكتب التي صدرت في باريس وكشفت عن حقيقة دور الاجهزة الامنية في ارتكاب فظائع الخطف والتصفية الجسدية بحق الكثيرين من الجزائريين، ذلك ان توالي اصدار تلك الكتب والشهادات المرعبة التي تضمنتها، نالت من هيبة المؤسسة العسكرية بالجزائر، وهي التي تعد تاريخيا كيانا محاطا بهالة من الاكبار الذي يصل الى حد التقديس، خصوصا انها ارتبطت في الوجدان الجزائري بخلفية تحرير البلاد والخلاص من الاستعمار الفرنسي، الامر الذي وفر لها دورا متميزا في ادارة البلاد وتقرير مصيرها باعتبارها المؤسسة المؤتمنة على ذلك المصير.

هذه الهالة تراجعت بصورة تدريجية مع توالي ظهور الشهادات عن ضلوع بعض قيادات تلك المؤسسة في العنف والارهاب، اضافة الى الدور الذي قامت به في الانقضاض على التجربة الديمقراطية التي لاحت بوادرها في بداية التسعينيات، وجاء الاعلان الاخير عن العثور على المقابر الجماعية لكي يضيف شهادة جديدة تسهم في تخفيض اسهم المؤسسة العسكرية والنيل من الثقة في ائتمانها على المصير الجزائري، وحين يحدث ذلك في ظرف دقيق كالذي تمر به البلاد الآن، فإنه يسبب حرجا كبيرا للمؤسسة العسكرية.

ذلك ان القيادات العسكرية تجري هذه الايام مشاورات مكثفة لتحديد موقفها من الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في شهر ابريل (نيسان) القادم. وهي الانتخابات التي يتطلع فيها الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقه للفوز بولاية ثانية، ولن يتحقق له ما يريد الا اذا ضمن تأييد المؤسسة العسكرية التي يعرف الجميع ان موقفها هو الذي يحسم الامر في نهاية المطاف، لاسباب يطول شرحها ويفهمها المعنيون بالشأن الجزائري.

صحيح ان رئيس الاركان الجنرال محمد العماري اعلن ان القوات المسلحة ستقف على الحياد في الانتخابات القادمة، ولكن النشطاء السياسيين لا يكتفون بهذا الموقف الذي لا يقنعهم كثيرا، لان اعلانا مماثلا صدر قبل اجراء انتخابات الرئاسة عام 1999، ومع ذلك حدث التدخل الصريح لصالح السيد بوتفليقه، لأن الجيش كان قد وقف وراءه آنذاك.

يطالب اولئك النشطاء المؤسسة العسكرية بأن يكون حياد الجيش ايجابيا وليس سلبيا، بمعنى الا تكتفي قيادته بالوقوف على الحياد بين المرشحين للرئاسة، يطالبونها ايضا بمنع تدخل الادارة أو تجنيد الاعلام لصالح مرشح دون آخر، اذ يرون انه اذا ما التزم الجيش بالحياد، ووقف بعيدا عن المعركة الانتخابية، ثم ترك اجهزة الادارة ووسائل الاعلام مكرسة لصالح رئيس الدولة الحالي، فإن ذلك يخل بالحياد المفترض، ويبدو وكأنه يضيء الضوء الاخضر لتلك الاجهزة لكي تعبر عن ولائها لرأس السلطة، بالانحياز له، الامر الذي يفتح الابواب واسعة للتلاعب في نتائج الانتخابات والتأثير على الرأي العام لصالح طرف دون غيره من المرشحين.

معلوماتي ان قيادة المؤسسة العسكرية ستحسم موقفها خلال اسبوع أو اثنين من الان، ولاشك ان توالي قرائن اتهامها وتراجع معدلات الثقة في دورها التاريخي، يشكل عنصرا ضاغطا عليها في المشاورات الجارية الآن، لا يتجاهل في هذا السياق ان الجنرال المتقاعد خالد نزار ـ الذي لايزال له بعض النفوذ داخل المؤسسة ـ قد اتخذ موقفا علنيا معارضا وناقدا للرئيس بوتفليقه، كما لا يتجاهل ايضا ان جبهة التحرير الجزائرية التي جاء منها الرئيس بوتفليقه صوتت في مؤتمرها الثامن لصالح مرشح آخر للرئاسة هو السيد علي بن فليس، الامر الذي ادى الى انشقاق بعض عناصر الجبهة ومحاولتها الطعن في قانونية الاجتماع المذكور.

والامر كذلك ، فالسؤال المطروح الآن هو هل ستحاول المؤسسة العسكرية استعادة دورها التاريخي والوقوف على الحياد الايجابي، ام انها ستستجيب لضغوط الرئاسة الحالية وتقف الى صفها في الانتخابات، واهمية السؤال راجعة الى انه على اجابتها يتوقف مصير الرئيس بوتفليقه، يكون أو لا يكون!

ــــ

عن الشرق الأوسط, 31/12/2003

 

Home2000