الحكام
العرب يزرعون
الحقد
والبغضاء
ويحصدون
الخراب
بقلم
الدكتور بشير
موسي نافع | القدس
العربي ـ 10
أكتوبر 2002
يقوم
آرييل شارون،
طوال ثمانية
عشر شهرا، بحملة
تدمير دموية
لكل مقومات
المجتمع
الفلسطيني:
البشر
والشجر،
المسكن
والمؤسسات،
المدرسة ودار
العبادة. وقد قامت
قوات شارون
باعتقال ما
يزيد علي
الثمانية
آلاف فلسطيني
يقبعون في
سجون
ومعسكرات اعتقال
جماعية
اسرائيلية
بشعة بلا
محاكمة ولا عملية
قضائية،
ويخضعون لشتي
اصناف
التعذيب. يوما
بعد يوم، يقدم
الفلسطينيون
الدليل تلو الآخر
علي ان
الهزيمة
والاستسلام
هي خيارات غير
واردة، وانهم
مصممون علي
مقاومة
الغزاة مهما
كانت
التكاليف
باهظة. ولكن
شارون لا يري
الامور
بعقلانية، بل
بعقلية
السيكوباث،
عقلية الاستبداد
والقهر التي
لا تحسب حسابا
لعواقب
افعالها. ان
كان حل هذا
الصراع في
النهاية لن
يكون بدون
تفاوض بين
الطرفين، وان
كان لهذه البقعة
الصغيرة من
الارض ان تشهد
سلاما ما، فأي
مستقبل ستحمل
زراعة الحقد
والبغضاء في
قلوب
الفلسطينيين
وفي ذاكرتهم الجماعية
للاسرائيليين؟
لا يري شارون
الامور من هذا
المنظار وهو
ما يجعل هذا
الصراع
مفتوحا علي بحر
من الدماء
والخراب ليس
من الصعب رؤية
الطرف الخاسر في
نهايته.
بيد ان
شارون ليس
حالة فريدة بل
نموذج: نموذج لعمى
الاستبداد
وعجزه عن رؤية
ما يقع خلف
غرائز القهر
السادية التي
تحتل انفس
المستبدين
وتودي بهم ومن
يؤمن بهم او
يسلمهم قياده
الي الهاوية.
ثمة اكثر من
شارون في
العالم
العربي فتحوا
ابواب السجون
علي مصاريعها
لشعوبهم،
وزجوا فيها
الأعلام
والشرفاء، شارونيون
تمارس
انظمتهم
التعذيب
وتعتقل البشر
شهورا وسنوات
بلا محاكمة او
بعد محاكمات صورية
هزلية، تحاصر
الاسر وتعصف
بموارد الرزق
وتغلق سبل
الحياة
والمعاش،
شارونيون يعتقدون
ان سلطاتهم
وامتيازاتهم
ومصادر سيطرتهم
قائمة الي
الأبد. في
الوقت الذي
يري العالم
وجه شارون
القبيح علي
حقيقته
وتنطلق صيحات
التنديد بارهاب
الدولة
الاسرائيلي،
ينبغي ان لا
ننسي شركاء
شارون علي
الجانب الآخر
من خط الصراع
الاكبر في
المنطقة
العربية. وفي
الوقت الذي
توظف
الولايات
المتحدة كل
عنصر من عناصر
استبداد
النظام
العراقي
وتجاوزاته
لتوسيع
العدوان علي
المنطقة
والسيطرة علي
مقدراتها،
يجب تذكير
العالم
بأصدقاء
الولايات
المتحدة الآخرين
الذين لا
انجاز لدولهم
ووزاراتهم
وأجهزتهم الا
الاعتداء علي
شعوبهم
وحقوقها وتبديد
مقدساتها
وزرع الحقد
والبغضاء في
قلوب ابنائها.
ألقي نظام
الحكم
السوداني
القبض علي
الدكتور الشيخ
حسن الترابي
قبل اربعة عشر
شهرا بدون التفات
لقانون
البلاد ولا
قرارات
المحاكم، بما في
ذلك اعلي سلطة
قضائية. وقد
قام النظام
بعد توقيعه
علي اتفاقية
ماشاكوس
المهينة (التي
لا تستدعي الا
اتفاق اوسلو
سيئ الذكر)
بنقل د.
الترابي من
المنزل الذي
كان معتقلا
فيه في ظل
ظروف معتادة
نسبيا الي سجن
كوبر البشع،
احد اقدم
وأسوأ السجون
في العالم
العربي. صاحب
الترابي في
حملة
الاعتقالات
الاخيرة
المئات، وربما
الآلاف، من
نشطاء حزب
المؤتمر
الوطني الشعبي
الذي يرأسه،
بما في ذلك
الشيخ
ابراهيم
السنوسي
ومحمد الأمين
خليفة. في هذا
العام، يكون
د. الترابي قد
تجاوز
السبعين من
عمره، وقد
تعرض قبل ايام
قليلة لحادث
مؤلم في سجنه،
حادث يكشف
ابعاد
الانهيار
الكامل بين
الانظمة العربية
الشارونية
وشعوبها.
فعندما كان
المفكر
والزعيم
الاسلامي
الكبير يحاول
الوضوء مرتكزا
علي انبوب ماء
متهرئ في
السجن
المتهالك كسر
الانبوب
مؤديا الي
اصطدام الشيخ
السبعيني
بحائط من
الصخور مما
تسبب في شج
رأسه وسقوطه
مغشيا عليه.
في العقد
الثامن من
العمر، وبعد
عدة فترات
طويلة وقصيرة
في سجون
الانظمة السودانية
المختلفة،
واعتداء مؤلم
علي حياته في
مطلع
التسعينات،
وحزمة من
الامراض
المختلفة، هل
ثمة من مبرر
للاعتقال؟
كيف يري
زعماء النظام
السوداني،
الذين لا يفوق
تراجعهم في
الحرب الا
سذاجتهم في
التفاوض علي
السلام،
وجوههم في
المرآة كل
صباح؟ كيف يفسر
الجنرال رئيس
الدولة، الذي
تحولت رئاسته
الي اشراف علي
سقوط المدن
السودانية
الواحد منها
تلو الآخر،
ورئيس الظل
علي عثمان،
الذي اثقلت
الاحقاد
كاهله،
وعقلهم
الاستراتيجي
الفذ غازي صلاح
الدين، الذي
وقع علي اتفاق
لم يتفاوض
عليه لحظة،
والمفكر
الفيلسوف
رئيس حزب
الدولة، كيف
يفسرون
لابنائهم
وبناتهم
وتنكرهم
لزعيمهم
ومعلمهم
والقاءه
ورفاقهم
القدامي
للمرض والموت
في سجن كوبر،
وزرعهم بذور
الكراهية
والحقد كما لم
تزرع من قبل
في تاريخ
السودان
الحديث؟
في
الجزائر،
التي تعيش منذ
اكثر من عقد
من الزمان
مجزرة حرب
اهلية دموية
لا اول لها
ولا آخر،
مازال الآلاف
من
الجزائريين
يقبعون في معتقلات
لا عدد لها،
يتعرض بعضهم
لاصناف من
التعذيب، بل
والقتل تحت
التعذيب بدون
مساءلة او مسؤولية.
احد هؤلاء
المعتقلين هو
زعيم الجبهة الاسلامية
للانقاذ،
الدكتور
الشيخ عباسي
مدني،
المجاهد في
حرب التحرير
والقائد
الشعبي الذي
تحترمه
وتقدره
قطاعات الشعب
الجزائري المختلفة.
خلال
الاسابيع
القليلة
الماضية،
تعرض الشيخ
مدني لأزمة
قلبية، وقد
نقل من مستشفي
لآخر وهو
يعاني ضيق
التنفس
وتبعات
الذبحة الصدرية،
ولا احد يعرف
علي وجه
اليقين حقيقة
وضعه الصحي.
النظام
الجزائري
العسكري،
الذي يحتل
واجهته
المدنية
الرئيس عبد
العزيز
بوتفليقة،
اوصل الجزائر
الي الحضيض،
اقتصاديا
وسياسيا.
وبالرغم من
المهرجانات
الانتخابية
المتعاقبة،
لم يعد لهذا
النظام من
مبرر الا
الحفاظ علي
امتيازات
جنرالاته
وحفنات من
الوزراء الذين
لا تساوي
سلطاتهم
مجتمعين سلطة
ضابط أمن
متوسط الرتبة.
وقد زرع
النظام في
مختلف مدن الجزائر
وجبالها
وقراها، بين
عربها
وقبايلها، من
الحقد
والكراهية ما
لم تزرعه
بشاعة الاستعمار
الفرنسي ذاته.
اليوم، يوشك
النظام علي ايصال
حملة الحقد
والكراهية،
التي يشرف
عليها
بامتياز يحسد
عليه منذ مطلع
التسعينات،
الي مستوي
جديد
بالاشراف علي
موت زعيم
جزائري واسلامي
كبير في
المعتقل.
لا تقل
الامور سوءا
في تونس عما
هي عليه في الجزائر
والسودان
والعراق.
فهنا، ومنذ
اكثر من عقد
ايضا تعيش
البلاد في ظل
حكم طالما
نددت المنظمات
الحقوقية
الدولية
بأساليب
الاعتقال
والتعذيب
التي يمارسها.
اكثر من الف
من قيادات
وكوادر حزب
النهضة الاسلامي
(الديمقراطي)
يقبعون في
السجون التونسية.
وحتي المئات
القليلة من
النهضويين
الذين افرج
عنهم في نهاية
التسعينات
تعيش الغالبية
منهم في ظل
حالة من
الملاحقة
والحصار الامني
والتجويع لا
يعرفها اي
مجتمع عربي
آخر.
في عدة
دول عربية، من
المغرب
والبحرين الي
الاردن ومصر
واليمن، نشهد
انفراجات
متفاوتة المستوي
في الحياة
السياسية
والمدنية.
افرج عن كل
المعتقلين
السياسيين او
اغلبهم، عوض
البعض عن
الاساءات
والآلام
وسوعد البعض
الآخر في
تأسيس حياته
من جديد، وذلك
رغم العنف
الذي شهده بلد
مثل مصر في
التسعينات،
والاستقطاب الذي
شهدته الحياة
السياسية في
بلد مثل
المغرب عقودا
طوالا. لا
انهارت انظمة
هذه البلدان،
ولا انهارت
فعالية
القانون
والأمن فيها.
ما حدث هو
العكس تماما،
اذ بدأت
المجتمعات
تلملم من جراحها
وتعيد بناء
اجماعها
والاتفاق علي
اولوياتها
الوطنية من
جديد.
المدهش في
كل هذا انه
كلما ازداد
القمع
والاستبداد
في دولة عربية
ما ازدادت هذه
الدولة قربا
من المعسكر
الغربي
وقيادته
الامريكية.
ولا ينبغي
لاحد ان يخدع
بالحالة
العراقية،
فعندما كانت
الدولة العراقية
تقصف شعبها
بالقنابل
الكيماوية كان
المستشارون
الامريكيون
العسكريون في
بغداد يقدمون
نصائحهم
الثمينة
للجهد
العسكري
العراقي ضد
ايران. ما حدث
في العراق ان
قيادته
تجاوزت الخطوط
الحمراء في
علاقتها مع
الحلفاء الغربيين،
سواء برامج
التسلح او غزو
الكويت، والا
لما سمع احد
في العالم
شيئا عن الحرص
الاورو ـ
امريكي
المتصاعد علي
الديمقراطية
وحقوق الانسان
العراقي. ألم
تفتح أبواب
واشنطن للحكم
السوداني
بمجرد ان بدأ
حملة القمع
والاعتقالات
ضد المؤتمر
الوطني
الشعبي؟ ألم
تغدق القروض
الغربية بلا
حساب علي تونس
فيما
المعتقلات
تفيض
بالتونسيين،
والانتخابات
تأتي بذات النتائج
التي تأتي بها
منذ نصف قرن؟
ألم يستقبل الرئيس
بوتفليقة في
باريس
وواشنطن
استقبال الاصدقاء
والحلفاء
بينما بلاده
تغرق في الحرب
الاهلية
وقوات أمنه
تحول الجزائر
الي قسمين
متساويين،
واحد كمزرعة
للجنرالات
والآخر كمعتقل
للشعب
الجزائري؟
اليوم، يقول
الداعون في
واشنطن الي
فرض انتداب
امريكي علي
المنطقة العربية
ان دول
المنطقة قد
فشلت جميعها
وانها بذلك
جعلت
مجتمعاتها
حاضنات
للارهاب.
الحقيقة،
ان اغلب الدول
العربية لم
تفشل وحسب بل
تلاشت، تلاشت
كدول وولدت من
جديد في صورة
اجهزة امن
وتعذيب
واعتقال. ولكن
احدا ينبغي ألا
ينسي ان
الولايات
المتحدة
وحلفاءها
الاوروبيين
هم الذين
اعطوا هذه
الدول
الشرعية، وهم
الذين سلحوها
بأدوات القمع
والتعذيب،
وهم الذين رأوا
نخبها
الحاكمة تنهب
مقدرات
الشعوب ففتحوا
لها الحسابات
البنكية
السرية، هم
الذين مدوا يد
العون لهذه
النخب لتبني
معسكرات
الاعتقال
وغرف التحقيق
البشعة بدلا
من المدارس والمستشفيات.
غدا، عندما
تفقد النخب
الحاكمة
قدرتها علي
ادارة الامور
وتأتي القوات
الامريكية لاطاحة
اصدقائها
القدامي،
باسم الحرية
والديمقراطية
وحقوق
الانسان، ما
الذي يجب علي
الشعوب ان
تفعله؟ كيف
ينبغي لقوي
المعارضة ان تحدد
موقفها فيما
القوات
الامريكية من
امامها والقتلة
من النخب
الحاكمة من
ورائها؟